جديد المكتبة
الرئيسية » إقرأ مقالة كل يوم » مكتبة مصر العامة بدمياط … جسر الحضارة …

مكتبة مصر العامة بدمياط … جسر الحضارة …

لم يكن ممكنا أن يذهب خيالنا ونحن نسير أيام الشباب على كوبرى دمياط

المعدنى، منتقلين بين ضفتى النيل أن هذا الكوبرى سينتقل عائما فى يوم من الأيام ليرسو على بعد حوالى مائة متر قبالة مكتبة مصر العامة بدمياط، ثم يأتى رئيس للجمهورية ليدشن هذا الموقع ويعقد به اجتماعا يضم العشرات من كبار رجال الدولة وأعيان دمياط، وليصبح هذا الكوبرى جسرا بين حضارة أوروبا التى صنعت الكوبرى (وقت تشييد برج معدنى يسمى برج إيفل) ليقام على ضفاف نهر السين بباريس، وبين حضارة مصر التى أعادت توظيف الكوبرى المصرى فى لحظة عبقرية من تاريخ المحروسة.

شهد الربع الأخير من القرن التاسع عشر تطورا هاما فى استخدام المعدن فى أعمال إنشائية مثل برج إيفل وكوبرى قطار الصعيد حسبما كان يسمى آنذاك عندما افتتحه الخديو عباس حلمى الثانى فى الخامس عشر من مايو عام 1892 الذى كان يسير على خط «مفرد» لتتبين الحاجة بعد ذلك إلى خط مزدوج فينتقل الكوبرى من إمبابة إلى دمياط لا ليمر عليه القطار بل لاستخدام البشر والسيارات وليفتتح هذا الكوبرى عام1927 وليبقى فى هذا الموقع حتى عام 2009 بعد أن يكون قد أنشئ كوبرى جديد لدمياط من الخرسانة.

فى عام ٢٠٠٣ أعلنت الهيئة العامة للطرق والكبارى عن مناقصة لبيع الكوبرى المعدنى وبالفعل تم البيع بمبلغ ١٧٠ ألف جنيه، وفى عام ٢٠٠٤ نقل محافظ دمياط الدكتور عبد العظيم وزير محافظا للعاصمة وجاء محافظ جديد تصادف أنه مهندس معمارى وأيضا فنان، فرأى فى الكوبرى المعدنى الذى كان مازال قائما قيمة جمالية وأثرية كبيرة، كما تبين له أن هذا الكوبرى يمكن أن يتكامل مع مكتبة دمياط العامة التى كان يطورها لتفتتح فى عام ٢٠٠٥ فى احتفال جميل. كان الدكتور محمد فتحى البرادعى الذى حصل على الدكتوراه فى العمارة من كلية الفنون الجميلة بباريس هو المحافظ الجديد وكان أول ما فعله أن قرر رد مبلغ الـ١٧٠ ألف جنيه إلى المقاول الذى اشترى الكوبرى ليصدر فى عام ٢٠٠٧ قرارا باعتبار الكوبرى أثرا تاريخيا يتحتم الحفاظ عليه ثم بدأت الأفكار تنمو وتختمر حول مستقبل المكتبة والكوبرى معا

وتصميم موقع جديد أمام المكتبة فى مشروع فنى ثقافى يتضمن تطوير الساحة الفاصلة بين المكتبة والكوبرى على النيل لتقام فيها الفعاليات الثقافية ويستخدمها الفنانون التشكيليون.

تصادف أن كان هناك أيضا وزيرا للتعاون الدولى برؤية حضارية متمثلة فى السفيرة فايزة أبو النجا فتحقق التمويل وبقى التنفيذ، وبدأت رحلة الإبداع فى ثلاث مراحل؛ التقييم والانتقال إلى الموقع الجديد، ثم إعادة التوظيف ومما يسر تنفيذ هذه المراحل الثلاث أن الأمر أساسا كان بيد المحافظ المهندس البرادعى الذى كان يدعمه كل من عرفه وعرف تجرده وقدرته على الإبداع والإنجاز معا، كان هو عراب التقييم واختيار الموقع الجديد، وكذلك إعادة التوظيف أما مرحلة الانتقال، فكان بطلها المهندس إبراهيم محلب، رئيس المقاولون العرب.

تمت إعادة التوظيف ليصبح الكوبرى القديم ملتقى حضاريا مجهزا بأحدث وسائل التكنولوجيا… أما التأثيث فلم يكن هناك أفضل مما تقدمه مدينة دمياط صاحبة الشهرة العالمية فى الأثاث.

فى كل هذه المراحل كانت عملية انتقال الكوبرى هى أكثر ما شدنى عندما قرأت عن هذه الملحمة متكاملة الأركان… كيف عام الكوبرى أو سبح ليرسو أمام المكتبة مع ميل فى اتجاه مسقط رأسه إمبابة بالجيزة. بعد دراسة مختلف البدائل استقر الرأى على أن يكون الانتقال من الموقع القديم إلى الموقع الجديد باستخدام قوة الطفو وبالفعل تم تجهيز ست عشرة عائمة تحمل الكوبرى التاريخى وتمر به تحت الكوبرى

الخرسانى الحديث بمسافة ٣٠ سم. فى هذا اليوم جاء رئيس وزراء مصر آنذاك الدكتور أحمد نظيف، وعدد من كبار الشخصيات وشاهدوا هذه اللحظات التاريخية حتى رسا الأثر الفريد لتحتضنه مكتبة مصر العامة التى أصبحت منارة على نيل دمياط، وما أن استقر الكوبرى فى موقعه الجديد حتى بدأ استخدامه ليصبح مركزا للندوات واللقاءات الهامة مثل لقاء رئيس الجمهورية مع كبار رجال الدولة وأعيان دمياط يوم ٢٠٠٩/٨/٣ وفى هذا اليوم أعلن عن افتتاح جسر الحضارة.

وعندما دعوت أخى وصديقى الدكتور أسامة الباز رحمه الله لزيارة دمياط أصر المحافظ البرادعى على أن يعقد له لقاءً مع أهل المدينة التى عاش ودرس فيها حتى أتم دراسته الثانوية وأن يعقد هذا اللقاء فى جسر الحضارة وكان أسامة متألقا فى هذه الليلة بحديثه الطلى والبسيط فى نفس الوقت، وهكذا سارت الندوات واللقاءات والاحتفالات ثم كان ما كان… جاءت أحداث عام 2011 وتجمع أناس أمام المتحف المصرى بالقاهرة يحاولون اقتحامه وآخرون يذهبون إلى المجمع العلمى الذى أنشئ فى بداية القرن التاسع عشر، ويضم بين جانبيه مئات المخطوطات والكتب النادرة ويلقون عليه قنابل المولوتوف.

وجاءت يد التخريب والتدمير إلى دمياط لتنال أيضا من هذا الأثر الفريد وتحولت لحظة الإبداع إلى لحظة ضياع وجاء ابن دمياط الأستاذ عبد اللطيف المناوى، رئيس تحرير المصرى اليوم، ورأى ما رأى وكتب مقالا لا أنساه واصفا هذا الأثر الفريد بأنه تحول إلى خرابة.

أكتب هذه السطور بطبيعة الحال بقلب حزين، لكننى ولأننى أومن بأن روح مصر العبقرية والمبدعة ستنتصر يوما فى القريب حتى لا تكون لحظة الضياع هى مشهد الختام، فإننى أناشد وزير الآثار والسياحة الدكتور خالد العنانى أن يتبنى إنقاذ هذا الأثر ليكون شاهدا كما جرى فى مواقع خربت، ثم أعادتها الإدارة المصرية إلى ما كانت عليه رمزا للتاريخ والثقافة والفن وحفظ التراث.

ar العربية
X